فخر الدين الرازي

113

تفسير الرازي

على الحدث الأصغر لما بقي للحدث الأكبر ذكر في الآية ، فوجب حمله على الحدث الأكبر . واعلم أن كل ما ذكروه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل ، فوجب أن لا يجوز . وأيضاً فحكم الجنابة تقدم في قوله : * ( ولا جنبا ) * فلو حملنا هذه الآية على الجنابة لزم التكرار . المسألة الثالثة : قال أهل الظاهر : إنما ينتقض وضوء اللامس لظاهر قوله : * ( أو لامستم النساء ) * أما الملموس فلا . وقال الشافعي رضي الله عنه : بل ينتقض وضوءهما معا . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأسباب الأربعة قال : * ( فلم تجدوا ماء ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده وتيمم وصلى ، ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب ، حجة الشافعي قوله : * ( فلم تجدوا ماء ) * وعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب ، فلا بد في كل مرة من سبق الطلب . فان قيل : قولنا : وجد ، لا يشعر بسبق الطلب ، بدليل قوله تعالى : * ( ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ) * ( الضحى : 7 - 8 ) وقوله : * ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) * ( الأعراف : 102 ) وقوله : * ( ولم نجد له عزما ) * فان الطلب على الله محال . قلنا : الطلب وإن كان في حقه تعالى محالا ، إلا أنه لما أخرج محمداً صلى الله عليه وسلم من بين قومه بما لم يكن لائقا لقومه صار ذلك كأنه طلبه ، ولما أمر المكلفين بالطاعات ثم إنهم قصروا فيها صار كأنه طلب شيئاً ثم لم يجده ، فخرجت هذه اللفظة في هذه الآيات على سبيل التأويل من الوجه الذي ذكرناه . المسألة الثانية : أجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان محترم جاز له التيمم ، أما إذا وجد من الماء مالا يكفيه للوضوء ، فهل يجب عليه أن يجمع بين استعمال ذلك القدر من الماء وبين التيمم ؟ قد أوجبه الشافعي رضي الله عنه ، متمسكا بظاهر لفظ الآية . ثم قال تعالى : * ( فتيمموا صعيد طيبا ) * وفي مسائل : المسألة الأولى : التيمم في اللغة عبارة عن القصد ، يقال : أممته وتيممته وتأممته ، أي قصدته وأما على الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد ، قال الزجاج : الصعيد وجه الأرض ، ترابا كان أو غيره . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لو فرضنا صخراً لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً . وقال الشافعي رضي الله عنه : بل لا بد من تراب يلتصق بيده . احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال : التيمم هو القصد ، والصعيد هو ما تصاعد من الأرض ، فقوله : * ( فتمموا